كريم حداد
الثلاثاء 20 كانون الثاني 2026
لم يكن الرهان على الضمانة الأميركية يوماً خياراً بريئاً أو تقنياً في السياسة الدولية، بل كان، ولا يزال، تعبيراً عن سوء تقدير عميق لطبيعة القوة الإمبراطورية ومنطق اشتغالها. فالقوة التي تتقدّم في خطابها بوصفها حامية للنظام الدولي، وراعية للاستقرار، وضامنة لأمن الحلفاء، هي نفسها التي لا ترى في هؤلاء الحلفاء أكثر من أدوات مؤقتة ضمن خرائط مصالح متحركة.
من هنا، فإن الوهم لا يكمن في «تقلّب» السياسة الأميركية، بل في الاعتقاد أصلاً بإمكانية تحويلها إلى ضمانة دائمة، أو إلى بديل من القدرة الذاتية والوحدة الداخلية.
السياسة الأميركية لا تُدار بمنطق الوفاء أو الشراكة المتكافئة، بل بمنطق إدارة المخاطر والكلفة والعائد. هي سياسة تحسب كل خطوة بميزان الربح الاستراتيجي، وتعيد التموضع بلا تردد عندما تتغيّر الظروف. من يقرأ تاريخ تدخلات الولايات المتحدة في العالم يدرك سريعاً أن الثابت الوحيد هو غياب الثوابت. التحالفات ليست عهوداً، بل عقود قصيرة الأجل قابلة للفسخ في أي لحظة، إذا ما تغيّر السياق الدولي أو الداخلي الأميركي.
في هذا الإطار، تبدو التجربة الكردية في سوريا مثالاً مكثفاً لهذا الوهم. لسنوات طويلة، قُدّمت العلاقة مع واشنطن بوصفها شراكة استراتيجية، تُغلف بلغة محاربة الإرهاب وبناء «الإدارة الذاتية» وحماية الأقليات. غير أن هذه اللغة لم تصمد أمام أول اختبار جدّي لتبدّل الأولويات. فما إن تغيّر ميزان الحسابات الإقليمية، حتى تراجعت الحماية، ووجدت قوات سوريا الديموقراطية نفسها في مواجهة واقع قاسٍ: الدعم الخارجي لا يمنح شرعية داخلية، ولا يبني قدرة ذاتية، ولا يؤسس لتوازن مستدام.
هذا النمط ليس استثناءً سورياً، بل هو قاعدة عامة. في فيتنام الجنوبية، بُنيت دولة كاملة على فكرة أن الوجود الأميركي هو الضامن النهائي لبقائها. جرى إنشاء جيش، ومؤسسات، ونخب سياسية، كلها مرتبطة عضوياً بالمستشار الأميركي والدعم العسكري والاقتصادي. لكن ما إن قررت واشنطن أن الحرب لم تعد تستحق الكلفة، حتى انهار البناء كله دفعة واحدة. الدولة التي لا تقوم على قاعدة اجتماعية صلبة، ولا تمتلك قرارها السيادي، تسقط فور سحب الغطاء الخارجي.
تكرّر المشهد ذاته في أفغانستان، وإن بأشكال أكثر فجاجة. عشرون عاماً من الاحتلال، مليارات الدولارات، تدريب وتسليح، خطاب عن «بناء الدولة» و«الديموقراطية»، انتهت جميعها خلال أيام قليلة. لم يكن الانهيار مفاجئاً لمن يفهم طبيعة الدولة التي بُنيت هناك: دولة مرتبطة بالخارج أكثر مما هي متجذرة في المجتمع. الضمانة الأميركية لم تُنتج مؤسسات قادرة على الصمود، بل أنتجت تبعية كاملة جعلت السقوط حتمياً لحظة الانسحاب.
واشنطن لا تتدخل لإنقاذ حلفائها عندما يصبح إنقاذهم مكلفاً أو غير ذي جدوى، ومن يربط مصيره بها يجد نفسه، في لحظة وحيداً
الخطأ الجوهري في الرهان على أميركا يكمن في الخلط بين الدعم التكتيكي والضمانة الاستراتيجية. الدعم قد يكون حقيقياً ومؤثراً في لحظة معينة، لكنه لا يتحول تلقائياً إلى التزام طويل الأمد. الضمانة، بمعناها العميق، تفترض استعداد الطرف الضامن لدفع ثمن مستمر دفاعاً عن الطرف الآخر، حتى عندما تتعارض الكلفة مع مصالحه المباشرة. وهذا تحديداً ما لا تفعله الإمبراطوريات. فهي لا تخوض حروباً من أجل الآخرين، بل تستخدم الآخرين ضمن حروبها.
الأخطر من التخلي نفسه هو ما يسبقه من تشويه سياسي واجتماعي. حين تُبنى الاستراتيجية على انتظار الخارج، تتآكل السياسة الداخلية. تتراجع الحاجة إلى التوافق الوطني، ويُستبدل العمل على بناء شرعية داخلية بالسعي إلى رضى السفارات. يتحول المجتمع إلى فسيفساء من الجماعات المتنافسة على الحماية الأجنبية، لا على مشروع وطني جامع. وهكذا، يصبح الخارج ليس فقط ضمانة متوهمة، بل عامل فاعل في تفكيك الداخل.
في العالم العربي، لعب هذا الوهم دوراً مدمّراً. كثير من الأنظمة والقوى راهنت على واشنطن لضمان بقائها أو تعزيز موقعها، فكانت النتيجة ارتهان القرار السيادي، وتعميق الانقسامات، وتحويل الخلافات السياسية إلى صراعات وجودية. الولايات المتحدة، في هذه السياقات، لم تكن يوماً وسيطاً محايداً، بل لاعباً يعيد تشكيل التوازنات بما يخدم مصالحه، حتى لو أدى ذلك إلى تفكيك دول كاملة.
لبنان، بحكم تركيبته الهشّة وتاريخه المعقّد، يُعد من أكثر الأمثلة حساسية على خطورة هذا المسار. الاعتماد على الضمانات الأميركية لم يؤدِّ إلى الاستقرار، بل إلى تعميق الانقسام. فحين تشعر فئة لبنانية بأنها محمية من الخارج، تنفصل سياسياً ونفسياً عن بقية المجتمع، وتتعامل مع شركائها في الوطن بوصفهم عبئاً أو تهديداً. في المقابل، تشعر الفئات الأخرى بأنها مستهدفة أو مهمّشة، فتبحث بدورها عن رعاة خارجيين. هكذا تُنسف فكرة الدولة من أساسها، ويُستبدل العقد الوطني بعقود حماية متنافسة.
الرهان على أميركا في حالة لبنان يحمل خطراً مضاعفاً. فهو لا يفشل فقط في توفير حماية حقيقية عند الأزمات الكبرى، بل يسهم في تفكيك ما تبقى من وحدة وطنية. التجارب الإقليمية تُظهر بوضوح أن واشنطن لا تتدخل لإنقاذ حلفائها عندما يصبح إنقاذهم مكلفاً أو غير ذي جدوى. من يربط مصيره بها يجد نفسه، في لحظة ما، وحيداً، فيما يكون قد خسر في الوقت نفسه القدرة على إعادة بناء إجماع داخلي.
الواقعية السياسية لا تعني القطيعة مع العالم أو تجاهل موازين القوى الدولية، بل تعني فهمها بعمق. التعامل مع الولايات المتحدة يجب أن يكون من موقع الندية النسبية، لا من موقع التوسل إلى الضمانة. الندية لا تُبنى بالشعارات، بل بالقدرة على فرض كلفة التخلي، وبامتلاك عناصر قوة ذاتية تجعل التحالف خياراً عقلانياً للطرفين، لا عبئاً على أحدهما.
وهم الرهان على الضمانة الأميركية ليس مجرد خطأ في الحسابات، بل هو خطأ في الفهم. هو سوء تقدير لطبيعة الإمبراطورية، ولحدود القوة، ولمعنى السياسة نفسها. ومن لا يخرج من هذا الوهم، محكوم بأن يعيد التجربة ذاتها، وأن يدفع الثمن ذاته، وإن تغيّرت الأسماء والساحات